موقع نبض العرب
جريدة و موقع إخبارى سياسى - اقتصادى - اجتماعى - فنى - رياضى - متنوع

الصحابي أبو سنان الأسدى “الجزء الثانى”

إعداد/ محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع الصحابى الجليل أبو سنان الأسدى، وقد وقفنا عندما استعمله النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، على سريتين الأولى في ربيع الأول فى السنة السادسه من الهجره، إلى بني أسد في أربعين رجلا، فغنم منها دون أن يلق قتال، والثانية في ربيع الآخر فى السنة التاسعه من الهجره، إلى أرض بني عذرة وبلي فيها بلاء حسنا، وقد بشّره النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بأنه ممن يدخلون الجنة بغير حساب، وكان بعد وفاة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ارتدت معظم القبائل العربية عن الإسلام، فخرج عكاشة في حروب الردة، وكان في جيش خالد بن الوليد الذي خرج لقتال بني أسد، ولما وصل خالد بُزاخة، بعث عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم على فرسيهما ليتحسسا أخبار بني أسد، فلقيا طليحة بن خويلد وأخوه سلمة بن خويلد، فقتل طليحة وأخوه عكاشة وثابت قبيل معركة بزاخة التي وقعت فى السنة الحاديه عشر من الهجره.
وقد كان عمر الصحابى الجليل عكاشة حين قتل خمسه واربعون سنه، وكان من أجمل الرجال، وله رواية للحديث النبوي الشريف، عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد رواها عنه أبو هريرة وعبد الله بن عباس، رضى الله عنهم أجمعين، وأما عن سبقك بها عكاشة وهي من الأمثال الشائعة بين الناس، ولكنه هو من كلام النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك كان عندما ذكر الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قام إليه عكاشة بن محصن، فقال ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ” نعم ” أنت منهم يا عكاشه ” فقام رجل آخر فقال مثل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” سبقك بها عكاشة ” وأما عن بنو أسد التى ينتمى إليهم أبو سنان الأسدى، فهم قبيلة خندفية مضرية عدنانية وتعد من القبائل العربية القديمة، وقد جاء في الموسوعة العربية، أن بنو أسد قبيلة عظيمة من العدنانية تنسب إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
وقد كان موطن قبيلة أسد في الجاهلية في نجد غربى القصيم وشرقي جبلي طيء، وقد قيل أن أبو سنان الأسدى اسمه وهب بن عبد الله، وقيل عبد الله بن وهب، وإبنه هو سنان بن أَبي سنان، وقد قيل أنه أكبر من أخيه عكاشه، وقيل أنه أَول من بايع النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، تحت الشجرة بيعة الرضوان، فقال له النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، “علا ما تبايع ” فقال على ما في نفسك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وما في نفسي ؟ فأجاب أبو سنان ” الفتح أو الشهادة” فسر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من ذلك، وبسط يده فبايع بها أبا سنان، فيا لروعة الموقف، ويا لجلال هذا الحوار أنا لنرى في هذا التجاوب الباهر بين القائد والجندي، فهذا هو أبو سنان الجندي التابع، يسارع بالاستجابة لأمر القائد المتبوع، فيسأل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، أن يبسط يده ليبايعه دون أن يخصص أبو سنان الأمر الذي يبايع عليه.
لأنه على استعداد لمبايعة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، على أي أمر مهما عظم، وعلى أي وضع مهما صعب، وعلى أي واجب مهما جل، لأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لا يبايع إلى على الحق والخير والواجب فهوما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، هو القائد يريد أن يتأكد من سلامة التصور للموقف العصيب في عقل الجندي المخلص، فيسأله على أي شيء تبايع يا أبا سنانا ؟ وهنا يأتي الجواب البليغ الرشيد على ما في نفسك يا رسول الله وكان أبا سنان يعرف تماما ما بنفس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في مثل هذا الموقف، وماذا يكون في بنفس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حينئذ سوى كلمة الحق، وموقف الصدق، ومنطق الجهاد حتى النصر أو الاستشهاد ؟ ويعود الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ليزيد الموقف إيضاحا وجلاء.
حتى يسير المجاهدون على بصيرة، فيسأل وما في نفسي ؟ فيأتي الجواب الطبيعي الناشئ من حسن الإدراك لتبعات الموقف، فيكون، الفتح أو الشهادة، وقد سارع أبو سنان إلى الإسلام، وسبق إلى الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد معه غزوات بدر وأحد والخندق، ثم جاءت غزوة الحديبية، في السنة السادسة للهجرة، وكانت هذه الغزوة نقطة تحول بارز في تاريخ النضال الإسلامي الطويل، إذ انتقل بها المسلمون من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه بعد غزوة الخندق ” لن يغزونا القوم بعدها، نحن سنغزوهم” ثم جاءت غزوة الخندق، أوغزوة الأحزاب، عقب ذلك، لتكون بابا لفتح عظيم، بل إنها كانت فتحا في ذاتها، لأنها كانت سببا في فتح مكة، ولذلك قال الزهري ” لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، فقد اختلط المشركون بالمسلمين، وسمعوا كلامهم، وتمكن الإسلام من قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كبير.
وكثر بهم سواد الإسلام” وذكر الألوسي أنه قد خفي كون ما كان في الحديبية فتحا على بعض الصحابة حتى بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البيقهي عن عروة قال ” أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعا، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت، وصد هدينا، وبلغ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال “بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم، ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليكم، وردكم سالمين غانمين ومأجورين، فهذا أعظم الفتح” أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في إخراجكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم، ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنون ؟

وهنا قال المسلمون ” صدق الله ورسوله” إنه هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله، ما فكرنا فيما ذكرت، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا، وكذلك قال الإمام ابن عبد البر ” ليس في غزواته صلى الله عليه وسلم ما يعادل بدرا، أو يقرب منها، إلا غزوة الحديبية ” ويالله من وسام عظيم وشرف مجيد، أن يكون أبو سنان طليعة المبايعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، تلك البيعة التي يقول عنها الحق تبارك وتعالى في سورة الفتح ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما ( وقد نستطيع أن نفهم جلال هذه الأولية، حين نجد كتب السيرة تحرص على ذكرها وتعيين اسم صاحبها، فابن هشام يقول، أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي، وعاش أبو سنان وهب بن محصن الأسدي، مجاهدا مناضلا، وفيا تقيا، حتى لحق بربه عند حصار المسلمين لبني قريظة فى السنه السادسه من الهجره، رضوان الله تبارك وتعالى عليه.

اترك تعليقك